ابن عجيبة

242

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فرط الغفلة ، أو يشتغلون بما لا ينفعهم ، أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا أنفسهم ، بترك النظر والاعتبار ، حتى هلكوا ، فلم ينفعهم حينئذ الندم . الإشارة : إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان ، حكمتها : الرجوع إلى اللّه ، وتضرع العبد إلى مولاه ، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين ، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين ، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن ، فلم يرجع إلى مولاه ، ولا شكره على ما خوله من نعماه ، بل قال : هذه عادة الزمان ؛ يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان ، فهذا عبد منهمك في غفلته ، قد اتسعت دائرة حسه ، وانطمست بصيرة قدسه ، يصدق عليه قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ « 1 » . وقال القشيري في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا . . . الآية : أي : لو آمنوا بالله واتّقوا الشرك ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) بأسباب العطاء ، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا ، والرضا أتم من العطاء . ويقال : ليس العبرة بالنعمة ؛ العبرة بالبركة في النعمة . ه . قوله تعالى : وَلكِنْ كَذَّبُوا أي : شكّوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب ، والشاك في الصادق المصدوق مكذب . وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : للناس أسباب ، وسببنا الإيمان والتقوى ، ثم تلا هذه الآية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا . . . الآية ، وقد تقدم عند قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ « 2 » . ما يتعلق بالأمن من مكر اللّه . ولما ذكر هلاك الأمم الماضية ، خوّف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 100 إلى 102 ] أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 )

--> ( 1 ) من الآية 179 من سورة الأعراف . ( 2 ) الآية 82 من سورة الأنعام .